الثلاثاء 19 ذو الحجة 1440هـ الموافق 20 أغسطس 2019م

القائمة الرئيسية

Separator
شرح صحيح البخاري - الشيخ سعيد السواح

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

أحكام الأضحية. الشيخ/ عصام حسنين
فضل الحج. د/ ياسر برهامي
فضل يوم عرفة ويوم النحر الشيخ/ محمد أبو زيد

الوثائق الأممية للمرأة وحرب المصطلحات والمساعدات

المقال

Separator
الوثائق الأممية للمرأة وحرب المصطلحات والمساعدات
2399 زائر
23-03-2013
عبد المنعم الشحات
الوثائق الأممية للمرأة وحرب المصطلحات والمساعدات
12-جماد أول-1434هـ 23-مارس-2013

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الوثائق الأممية للمرأة: مصطلحات فضفاضة تبدأ من المساحة المشتركة ثم تندفع تدريجيًّا نحو الرؤية الغربية تحت وطأة "جزرة المساعدات" وفي الطريق "عصا العقوبات".

كانت هذه تغريدة لي على حسابي على توتير @abd_mon_sh (وهذه فرصة للتحذير من حسابات وهمية منسوبة لي).

المهم أتاني رد من أحد المتابعين يسأل عن "ترجمة لهذا الكلام" فقررتُ أن أبدأ مقالتي بتلك التغريدة على أن يكون باقي المقالة شرحًا -أو إن شئتَ قل ترجمة- لها.

نتحدث هنا عن اتفاقيات المرأة الصادرة عن الأمم المتحدة؛ لا سيما اتفاقية "منع كافة أنواع التمييز ضد المرأة" المعروفة باسم: "السيداو" وتوابعها، ومن أخطرها: "وثيقة بكين"، وآخر عنقود تلك السلسلة -قطع الله دابرها- اتفاقية: "منع كافة أشكال العنف ضد المرأة".

وأظن أنه قد اتضح بصورة مبدأية ماذا نعني بالـ"مصطلحات الفضفاضة"... حيث إن مصطلحات "منع التمييز" يمكنك بحكم كونك مسلمًا أن تحمله على قوله -تعالى-: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة:228)، كما أن ذهنك قد ينصرف إلى أن المقصود بمنع العنف ضد المرأة هو قوله -تعالى-: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء:19)، وقد تذهب بعيدًا فتظن أن القوم يريدون أن يتصدوا لجنوح بعض الرجال لاستعمال قوتهم في قهر المرأة فأرادوا أن يوجهوا طاقة هؤلاء الرجال إلى استعمال طاقتهم في حماية المرأة كما كانت آخر وصايا النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ، وَالْمَرْأَةِ) (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وحسنه الألباني).

وقد تذهب أبعد وأبعد... فتظن أن الهدف الأسمى الذي تسعى إليه كل هذه الاتفاقيات هو إيجاد الأسرة التي تمثِّل سكنًا لأطرافها، فيعيشون في كنف السكينة تظللهم المحبة؛ فإن تقلبت القلوب -وما سُمي القلب قلبًا إلا من تقلبه- لم يكن أقل من مظلة "الرحمة" كما قال -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21)، وفي الواقع لم تكن هذه الأفكار -التي يمكن حمل هذه المصطلحات الفضفاضة عليها- قط حاضرة في نظرة العالم الغربي للعلاقة بين الذكر والأنثى في مرحلة من تاريخه، فقد تردد العالم الغربي بين نمطين الأول: "ذكوري" محض، والثاني: "أنثوي" محض، ثم انتقل إلى نمط "جندري" -(سوف نعود إلى هذا المصطلح لاحقًا لنفك شفرته السرية!)-.

وأما المجتمع الذي يمكن تسميته: بالـ"مجتمع الأُسري" كحالة كل المجتمعات الراقية "إنسانيًّا" -وإن كانت لم تدرك ذلك التطور التقني الحديث- وهو النمط الذي جاءت به شريعة الإسلام؛ فلم تعرفه أوروبا قط! ومع تفاوت هذه المفاهيم إلا أن "المجتمع الغربي" أجبر "العالم الإسلامي" ابتداءً على أن يوقِّع معه على اتفاقيات صاغها هو وسمح لنا لفترة ما من الزمان أن نفسرها بطريقتنا وأن يفسرها هو بطريقته مستعملاً طريقة الصياغات الفضفاضة، ولكنه ظل يتحين اللحظة التي يستطيع فيها أن ينقض على الفريسة فيفرض إرادته كاملة.

بدأت القصة تحت شعار: "المساعدات" مقابل "التنازلات"، ولكن هذه الوسيلة لم تكن فعالة بنسبة مائة بالمائة؛ فبلد مثل "مصر" عاشت فترة طويلة رافعة شعار: "تجوع الحرة ولا تبيع مبادئها"، وبلاد الخليج لم تكن في حاجة إلى مساعدات.

ولكن يبدو أن تسعينات القرن الماضي قد جاءت ومعها تلك اللحظة التي كان الغرب ينتظرها حيث شهدت تلك الفترة انهيار الاتحاد السوفيتي، ثم الغزو العراقي للكويت، وجاءت أمريكا للمنطقة على متن حاملات الطائرات وصادفت هذه الأحداث الجسام وجود "مبارك" في سدة حكم مصر "رائدة العرب".

وللتاريخ: فقد كان "مبارك" حتى هذه اللحظة يبني طرقًا وينشئ كباري ويحافظ على حالة اقتصادية مقبولة، ولكنها كانت ترتكز على المساعدات التي لو توافرت إرادة سياسية لأمكن الاستغناء عنها بسهولة، ولكن مبارك "الذي يزعمون أنه كان طيارًا ماهرًا" كان في الحياة المدنية أشبه بالشخص الذي يظل طوال عمره مصنف في خانة المبتدئ في فن القيادة؛ يقود ببطء ورتابة وليس لديه أي استعداد للمناورة، ويكاد يموت هلعًا إذا فقد شيئًا من السيارة ولو كان شيئًا كماليًّا!

ومن هنا "هرول مبارك" إلى أمريكا.

ومن هنا فقدت مصر وسطيتها في السياسة الخارجية.

ومن هنا فقدت مصر ريادتها العربية.

ومن هنا تحولت مصر إلى وسيط لأمريكا وإسرائيل.

ومن هنا قَبِلت مصر أن تنضم لطابور المروجين "للأنثوية".

ومن هنا ظهرت السيدة "سوزان ثابت" بمساعدة أستاذها "سعد الدين إبراهيم".

ومن هنا جاءت عصبة السيدة "سوزان ثابت".

ومن هنا رأت قوى عالمية أن استمرار "سوزان ثابت" في غاية الأهمية لتمرير هذه الثقافات؛ فأوحت إليها بفكرة التوريث، محرضين إياها على الاستمرار في دائرة الضوء والذي يعنيهم هو استمرارها في دائرة التأثير.

ومن هنا كان الصدام بين "سوزان مبارك" وبين الأزهر ممثلاً في شيخه آنذاك الشيخ "جاد الحق علي جاد الحق"، وفي فضيلة الشيخ "نصر فريد واصل"؛ الذي يُعد حالة في غاية الندرة لموظف يحال على المعاش في تمام الستين رغم أن كل من حوله كانوا قد تجاوزوا السبعين، ولكنهم أرادوا أن يتخلصوا منه بعد أن استراحوا بوفاة الشيخ "جاد الحق" -رحمه الله-.

ومن هنا بدأتْ "كرة الثلج"؛ التي كبرت وتدحرجت، ثم تحركت في الخامس والعشرين من يناير 2011م لتأخذ الرئيس ونجله وحرمه تاركة خلفهم عصبة لكل منهم تدير نفس ملفاته بنفس آلياته -ومنها: ملف الانبطاح الدولي، وبيع المبادئ بحفنة مساعدات تذهب عادة إلى منظمات المجتمع المدني التي يديرونها هم أيضًا!-.

هذا شرح مختصر للعبارة التي بدأنا بها: (الوثائق الأممية للمرأة: مصطلحات فضفاضة تبدأ من المساحة المشتركة تندفع تدريجيًّا نحو الرؤية الغربية تحت وطأة "جزرة المساعدات" وفي الطريق "عصا العقوبات").

ويبقى لكي تتضح لكَ الصورة كاملة أن نتحدث في العناصر الآتية:

أولاً: المجتمع الأوروبي من "الذكورية" إلى "الأنثوية".

ثانيًا: نظرية "مالتس" ونظرية "الجندر".

ثالثًا: لماذا يصدِّرون لنا فلسفاتهم؟

رابعًا: اتفاقيات المرأة من 1952م إلى 2013م.

خامسًا: مصر واتفاقيات المرأة.

سادسًا: اتفاقية 2013م "إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات".

أولاً: المجتمع الأوروبي من "الذكورية" إلى "الأنثوية":

جنس الرجال أخشن من جنس النساء والعكس فجنس النساء أرق خلقة من جنس الرجال -هذه حقيقة حسية لا يمكن أن يجادل فيها أحد-، وقد اهتدت معظم المجتمعات الراقية عبر التاريخ إلى أن الاستفادة المُثلى من هذا التنوع هو في التكامل بين الجنسين، وعرفت الشعوب التي ساهمت في بناء حضارات كبرى نظام الأسرة بصورة تكاد تكون متقاربة بين هذه الشعوب، وفرَّقتْ كل هذه الشعوب بين علاقة جنسية عابرة أو حتى ممتدة بين رجل وامرأة، وبين علاقة أخرى مقدسة تسمى زواجًا حتى لو كانوا يبيحون غيرها.

ولكن هناك حقيقة أخرى مشاهدة في البشرية وهي أن القوة تؤدي بصاحبها في كثير من الأحيان إلى الطغيان كما قال -تعالى-: (كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق:6-7)، ومِن ثَمَّ فيُتصور أن تحدث حالات جنوح من الرجال في استخدام قوتهم في قهر النساء، وهي ظاهرة عانت وتعاني منها كل المجتمعات قديمًا وحديثًا، ولكن هذه المشكلة إذا وقعت في ظل نظام تشريعي عادل فيمكن أن يضع من الوسائل والأدوات وطرق الحماية المجتمعية ما يحمي المرأة من أي طغيان قد يمارسه ضدها رجل، ولكن تبقى المشكلة أن التشريع غالبًا ما يتولاه الرجال؛ ومِن ثَمَّ فهم يحابون أنفسهم، ومِن ثَمَّ فهم يغضون الطرف عن هذه المشكلات ولا يحاولون وضع التدابير التي تحد من تلك المشكلة، وهذه هي المعضلة التي واجهتها المرأة عبر التاريخ.

ولكن أزمة المرأة الأوروبية كانت أشد؛ حيث إن الرجل لم يتولَ فقط التشريع الدنيوي، وإنما حدث الانحراف الديني الذي وصفه الله -تعالى- بقوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (البقرة:79).

والأدهى من ذلك والأمَر أن حركة تبديل الدين تمتْ على يد رجل لديه عقدة نفسية من النساء هو "بولس"؛ ولذلك امتلأ كلامه -"الذي هو عند أتباعه وحيًّا"- بالحط من المرأة والتحقير من شأنها ثم تسابق أتباعه بعده على ذلك؛ حتى انتهى بهم الأمر إلى النقاش في شأن المرأة: هل لها جسد وروح مثل الرجل أما أنها جسد بلا روح؟! وأمثلهم طريقة مَن كان يقول: إن لها روحًا، ولكنها روح شريرة!

إذن اكتملت عوامل القهر ضد المرأة: "قوة الرجل + غشم القانون + عقائد دينية تزدري المرأة".

وظل الأمر كذلك حتى قامت الثورة الصناعية واحتاجت الرأسمالية للمرأة لكي تسد الطلب المتزايد على الأيدي العاملة؛ لا سيما في العصور المبكرة للنهضة الصناعية وقبل اختراع وسائل الميكنة الحديثة، وتعرضت المرأة لعميلة قهر جديدة واستغلال جسدي وجنسي مع إعطاء أجور أقل؛ مما جعل حال المرأة في تلك المرحلة أسوأ من سابقتها.

ومع توسع الميكنة وتقدم وسائل الاتصالات ووسائل الإعلان احتاجت الرأسمالية إلى دور جديد للمرأة تكون فيه أكثر جاذبية ورونقًا، ومِن ثَمَّ أطلقت دعواتها لتحرير المرأة والتي بدأت في خمسينات القرن الماضي، وتبناها الكثير من الفلاسفة الذين اندفعوا من عقدة ذنب تاريخية، وكعادتهم في الانتقال من التطرف إلى التطرف المضاد انقلبوا من مجتمع ذكوري إلى مجتمع "أنثوي" يسخر من الموروث الديني ونظرته للمرأة ويعدل القوانين انتصارًا للمرأة، ولا يمانع من الظلم المضاد تحت مسمى: "التمييز الإيجابي" (من صوره المخففة: نظام الكوتة لا سيما في الانتخابات، والذي يسمح للمرأة بالإضافة إلى فرصتها في المنافسة الطبيعية ألا تتنافس على بعض المقاعد الأخرى إلا مع امرأة مثلها مما يعني في النهاية أنها احتلت مكان رجل أجدر منها بهذا المكان!).

ولكن يبقى السؤال: هل أفلحت هذه الإجراءات في رفع الظلم الحقيقي عن المرأة؟

الإجابة يمكنك أن تحصل عليها من هزيمة "هيلاري كلينتون" في الانتخابات الداخلية للحزب الديمقراطي في أمريكا أمام "أوباما"، رغم الحملة الشرسة التي تعرض لها "أوباما"، ورغم الحضور القوي لـ"هيلاري كلينتون" في فترة حكم زوجها، ورغم أن الحزب الديمقراطي أكثر تحررية في هذه الأمور من الحزب الجمهوري؛ ولتضيع فرصة أظنها لن تعود قريبًا أو لن تعود أبدًا على أمريكا أن تثبت أنها وفية لما تنادي به من المساواة التامة بين الرجل والمرأة.

هذا بالنسبة للحقوق السياسية، وأما بالنسبة للحقوق الأخرى فمعدلات ضرب النساء والتحرش بهن من الرؤساء والمديرين، بل والاغتصاب الكامل في أماكن العمل وغيرها في تزايد مستمر... وهذا ما تجده بارزًا في افتتاحية كل وثائق الأمم المتحدة عن المرأة بما في ذلك الوثيقة الأخيرة.

والعلة في ذلك واضحة، فالقوانين وإن كان ظاهرها الانحياز للمرأة إلا أنها في النهاية تكون ضدها؛ لأنها تغفل أنها بالفعل أضعف خلقة من الرجل وأن الحكومات لا تستطيع أن توفر شرطيًّا لكل أسرة فضلاً أن ترسل شرطيًّا خلف كل غادية ورائحة؛ وهذا يعني أن المغالاة في الانحياز نظريًّا للمرأة لم يمنع أن هناك ممارسات تنتمي إلى ثقافة العصور الوسطى ما زالت تتم ضد المرأة!

الشريعة الغراء وحل المشكلة:

ونحن في هذا السياق التاريخي لسنا بصدد التعرض للمنهج الإسلامي في هذا الباب، ولكن نعرِّج على عناصره بسرعة.

والتي يمكن إيجازها في النقاط الآتية:

1- تشريعات قائمة على التكامل لا التنافس.

2- توازن بين الحقوق والواجبات بين الزوج والزوجة.

3- ولاية الأب أو مَن يليه من العصبة على زواج ابنته وأثر ذلك على التوازن.

4- نظام الحسبة وما يقتضيه من تدخل المجتمع لرفع الظلم عن أي مظلوم.

وبهذه الطريقة يكون النظام قد حقق العدالة بين الرجل والمرأة، كما يكون قد وضع الآليات العملية المناسبة التي تتصدى للانحرافات الفردية.

ومن المعلوم أن الثواب والعقاب الأخروي هو أحد أهم العوامل التي تحقق للمجتمع المسلم التزام أفراده بالشريعة؛ ولو كانت ضد هوى نفوسهم "كما في قضية ميل الرجال لظلم النساء".

ثانيًا: نظرية "مالتس" ونظرية "الجندر":

تعتبر نظرية "مالتس" من أخطر النظريات تأثيرًا على العقل الأوروبي المعاصر، وتنص النظرية على أن: السكان يتكاثرون بمتوالية هندسية في حين تنمو الموارد بمتوالية عددية، مما يعني أن نضوب الموارد -لا سيما الغذائية- هي نتيجة حتمية.

وقد اقترح "مالتس" لتأجيل هذه الكارثة وسيلتين:

1- توفير وسائل منع الحمل.

2- تشجيع العلاقات الجنسية "المثلية"؛ لأنها لا ينتج عنها نسل.

ومع أن الرجل قد ذَكَر هذه الطريقة إلا أنه من باب الخجل ذكر أنه لا يستحسن اللجوء إلى تلك الحيلة، ولكن هيهات... فقد "سبق السيف العزل"، ورأى كثير من فلاسفة الغرب أن هذا هو المفتاح السحري لحل أزمة المجتمع الذكوري وأزمة نقص الموارد في آن واحد!

والتقت تلك النظرية مع حركة "الأنثوية" لكي يخرجوا لنا بمفهوم تبنته الأمم المتحدة فيما بعد وهو "مفهوم الجندر"، و(gender) هو: مصطلح حادث تم استعماله أولاً على أنه بديل أكثر لياقة من مصطلح sex، مع الاتفاق على أن كلاً منهما ينقسم إلى نوعين: "ذكر وأنثى"، ثم تطور الأمر إلى إضافة أربعة أنواع أخرى يرمز لهم بالرمز (LGBT) والتي تعني: (السحاقيات (L:Lesbians) والشواذ من الرجال (G:Gay) وثنائيو الممارسة (B:Bisexual) والمتحولون (T:Transgender).

ومِن ثَمَّ أصبحت كلمة "جندر" يُعنى بها الجنس الاجتماعي بغض النظر عن الخلقة البيولوجية؛ مما يعني أن يعتبر كل إنسان حر في اختيار سلوكه الجنسي "موجب - سالب - ثنائي" والشريكة الجنسي "غيري - مثلي" وصورة الارتباط "زواج - شراكة جنسية - علاقة جنسية"، وفي هذه العلاقات يتم توزيع الأدوار الاجتماعية بالاتفاق على من سيقوم بوظيفة الحمل: "أحد الشريكين - استئجار طرف خارجي"؛ ومن أجل ذلك استحدثوا عمليات زرع رحم للرجال، ووفروا بنوك المني؛ لكي تتمكن الأسر السحاقية من الحمل، كما يتم الاتفاق من باب أولى على من سيقوم بدور رعاية الأطفال.

وكل هذه الأمور تحتاج إلى منظومة قوانين تم إقرارها بالفعل في الدول الأوروبية من إعطاء أي شخص؛ رجلاً كان أو امرأة، متزوجًا كان أو غير متزوج الحق في إجازة وضع متى ثبت "حمله / حملها"، وكذلك إجازة "رعاية أطفال" إلى غير ذلك من الأحوال التي يندى الجبين لذكرها!

ثالثًا: لماذا يصدِّرون لنا فلسفاتهم؟!

الغرب غالبًا ما يتردد بين رمضاء ونار، ولكنه تارة يستجير من النار بالرمضاء فيتحسن حاله نسبيًّا كما فعل في نظامه السياسي، بينما ينطبق عليه في قضية المرأة قول القائل: "كالمستجير من الرمضاء بالنار"، وسواء في حاله الأولى أو الثانية فإن من أنعم الله عليه ببرد اليقين وطيب الشريعة ليس في حاجة إلى نار الغير ولا رمضائه، ومع ذلك فهم يصرون أن يصدِّروا لنا تلك الفلسفات، بل وينفقون أموالاً طائلة من المساعدات للسماح بتلك الأفكار أن تمر.

والأمر في ذلك يرجع إلى سببين:

الأول: أنهم يدركون أن اختيارهم ينطوي على عامل ضعف، ولكنهم يرون أنفسهم مضطرين إليه تحت تأثير نظرية "مالتس" أو تحت تأثير الصناعات التي قامت على هذا النمط ورؤوس الأموال التي دارت في هذا الفلك، أو لصعوبة التراجع عن هذا النمط بعد ما أُشرب الناس حبه؛ فإذا كانوا لا يجدون فكاكًا من هذا النمط -مع ما فيه من عوامل ضعف- فلا أقل من أن يحرموا غيرهم من أسباب القوة التي عنده؛ لكي يضمنوا تفوق حضارتهم دائمًا.

الثاني: أنهم في سبيل السيطرة الحضارية لابد من أن يفرضوا نموذجهم ليتحول العالم إلى ما يشبه الدولة الواحدة التي تحكمها القوانين الدولية والمؤسسات الدولية والتي تقع بطبيعة الحال تحت سيطرة الدول الغربية، وقد فرضوا علينا نمطهم السياسي ثم الاقتصادي بينما كان تأخر فرض نمطهم الاجتماعي لما كانوا يتوقعونه في هذا الباب من مقاومة.

وفي سبيل ذلك فقد تدرج معنا الغرب -كما أسلفتُ لكَ في أول المقال- على خطوات:

1- توقيع اتفاقيات فضفاضة مع إعطائنا حق التحفظ وإعادة التفسير.

2- الضغط بواسطة المساعدات للقبول التدريجي للتفسيرات الغربية لتلك الألفاظ المجملة.

3- وأما الخطوة التي بدأت الاتفاقية الأخيرة تدور حولها فهي التلويح بفرض عقوبات.

وإليك عرض موجز لتاريخ هذه الاتفاقيات.

رابعًا: اتفاقيات المرأة من 1952م إلى 2013م:

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تزايد الاهتمام الدولي بقضايا المرأة، وفي عام 1952م أعدت مفوضية مركز المرأة بالأمم المتحدة معاهدة حقوق المرأة السياسية, والتي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة.

- وفي عام 1967م أجازت الأمم المتحدة إعلانًا خاصًا بالقضاء على التمييز ضد المرأة، والذي دعا إلى تغيير المفاهيم وإلغاء العادات السائدة التي تفرِّق بين الرجل والمرأة.

- وفي عام 1973م بدأت مفوضية حركة المرأة بالأمم المتحدة في إعداد معاهدة "القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة" (السيداو)، وأكملت إعدادها في عام 1979م.

- وفي عام 1952م أعدت مفوضية مركز المرأة بالأمم المتحدة معاهدة حقوق المرأة السياسية.

- وفي عام 1967م أجازت الأمم المتحدة إعلانًا خاصًا بالقضاء على التمييز ضد المرأة.

- وفي عام 1973م بدأت مفوضية حركة المرأة بالأمم المتحدة في إعداد معاهدة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وأكملت إعداده في 1979م.

- وفي 1974م صدر الإعلان العالمي بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنـزاعات المسلحة.

- وفي يوم 18 ديسمبر 1979م اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتفاقية.

ومنذ ذلك التاريخ والمؤتمر السنوي لمركز المرأة يضيف وثائق ملحقة بهذه الاتفاقية، ومن أبرزها:

- مؤتمر القاهرة 1994م.

- مؤتمر بكين 1995م.

- اجتماع 2013م في مقر الأمم المتحدة والذي صدر عنه اتفاقية مشابهة للسيداو، بعنوان: "إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات".

خامسًا: مصر واتفاقيات المرأة:

صدرت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" عام 1979م -كما أسلفنا-، وانضمت مصر لهذه الاتفاقية في ديسمبر وقد تحفظت مصر على المادتين (2 و16) -واللذان يمثلان جوهر الاتفاقية- بأنه لا تلتزم بما جاء فيهما إلا بما يوافق أحكام الشريعة الإسلامية.

كما تحفظت على المادة (29) والتي تلزم باللجوء لمحكمة العدل الدولية عند وجود خلاف بين الدول حول تطبيق الاتفاقية، كما امتنعت عن الانضمام إلى البروتوكول الاختياري لهذه الاتفاقية والذي يتيح لمواطنات الدول الموقِّعة شكوى الدولة في الأمم المتحدة.

ورغم أن الاتفاقية في المادتين المشار إليهما لجأت إلى ألفاظ مطاطة، مثل: رفض جميع أشكال التمييز ضد المرأة المذكورة في المادة (2)، و"اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية، وبوجه خاص تضمن على أساس المساواة بين الرجل والمرأة" المذكورة في المادة (16) - فقد فطنت مصر عند التوقيع على هذه الاتفاقية وبالرجوع إلى قاموس الأمم المتحدة ومناقشات الدول الأعضاء إلى أن مدلولات هذه العبارات تصادم التكامل بين الرجل والمرأة في الشريعة الإسلامية.

فجاء في نص تحفظها على المادة (16): "بشرط عدم إخلال ذلك بما تكفله الشريعة الإسلامية للزوجة من حقوق مقابلة لحقوق الزوج بما يحقق التوازن العادل بينهما، وذلك مراعاة لما تقوم عليه العلاقات الزوجية في مصر من قدسية مستمدة من العقائد الدينية الراسخة التي لا يجوز الخروج عليها... وذلك أن أحكام الشريعة الإسلامية تفرض على الزوج أداء الصداق المناسب للزوجة والإنفاق عليها ثم أداء النفقة لها عند الطلاق، في حين تحتفظ الزوجة بحقوقها الكاملة على أموالها ولا تلتزم بالإنفاق منها على نفسها؛ ولذلك قيدت الشريعة حق الزوجة في الطلاق بأن أوجبت أن يكون ذلك بحكم القضاء في حين لم تضع مثل هذا القيد على الزوج".

ثم جاء مؤتمر القاهرة سنة 1994م ومِن بعده مؤتمر بكين سنة 1995م، وحاولت الأمم المتحدة أن تضيف إلى معاني الاتفاقية أمورًا أكثر انحرافًا عن الإباحية الجنسية والشذوذ الجنسي فاعتمدت مصطلح: (GENDER)، والذي يعني أن الوظائف النمطية في الأسرة هي وظائف اجتماعية وليست بيولوجية؛ مما يعني إمكانية قيام ذكر بيولوجيًّا بدور الأنثى اجتماعيًّا والعكس! ومع أن "وثيقة بكين" قد زادت اتفاقية "سيداو" سوءًا؛ إلا أن مصر اكتفت بتحفظاتها السابقة على الاتفاقية الأصلية!

وحول "وثيقة بكين" أصدر مجمع البحوث الإسلامية بيانًا جاء فيه:

"وفي خضم سعيهم إلى تدمير الأسرة لم يقنع واضعو البرنامج بالوقوف عند حد التشكيك في اعتبار أنها الوحدة الأساسية للمجتمع ومطالبة الوالدين بالتغاضي عن النشاط الجنسي للمراهقين عن غير طريق الزواج واعتبار هذا النشاط أمرًا شخصيًّا لا يحق لأي منهما أن يتدخل فيه، ولكنهم نادوا -في جرأة فاحشة!- بأن مفهوم الأسرة بالمعنى الذي يقره الدين ليس إلا مفهومًا عقيمًا؛ لأنه لا يتقبل العلاقات الجنسية الحرة بين الشواذ في مختلف الأعمار ويشترط أن تكون ذكر وأنثى وفي داخل الإطار الشرعي؛ ولأنه لا يمنح الشواذ حقهم في تكوين أسر من بينهم، ويتمسك بالأدوار النمطية للأبوة والأمومة والزوجية، معتبرين أنها مجرد أدوار اعتادها الناس فيما درجوا عليه، ويجب استبعاد الالتزام بها حتى يمكن إقامة مجتمع متحرر من القيود والروابط!

بل إن واضعي هذا البرنامج ساروا في غيهم إلى أبعد من ذلك... فطالبوا بالتغيير الجذري في العلاقة بين الرجل والمرأة، وتقسيم الوظائف بالسوية بينهما بما في ذلك حق الرجال في إجازة "والدية" -إجازة وضع- كالنساء، والمساواة بينهما في الميراث مع تغيير القانون الذي يقف دون ذلك أيًّا كان مصدره!

ولا ريب أن ما انجرف إليه واضعو البرنامج يناقض تمامًا ما يفرضه الإسلام ويحرص عليه من جعل الأسرة هي مصدر السكينة والمودة والرحمة، وإعدادها لتكون موئلاً حصينًا وخصبًا لتنشئة الأجيال على الإيمان بالله والثقة به؛ حكمه وحكمته، في ظل رعاية والدين تحكمها قواعد حاسمة تهذب ما طبعت عليه النفس البشـرية من غرائز، وترعى ما جبلت من ميول غير مصطنعة أو وليدة ظروف طارئة، مع الحرص على أن تتبوأ المرأة مكانها المرموق، ويتحمل الرجل عبء القوامة بحكم مسئوليته عن الأسرة وأفرادها ومتطلباتها" (اهـ بتصرف).

ومنذ صدور "وثيقة بكين" تُخصص لجنة مركز المرأة بالأمم المتحدة (CSW) مؤتمرها السنوي لمتابعة الحكومات في تطبيق الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة، وعلى رأسها: القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" و"وثيقة بكين"، وقد خصصت دورتها هذا العام لإصدار وثيقة جديدة بعنوان: "إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات".

سادسًا: اتفاقية 2013م "إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات":

جاءت تلك الوثيقة الجديدة للتأكيد على نفس معاني الاتفاقيات السابقة؛ إلا أنها طرحت أمورًا في غاية الخطورة:

1- الدعوة إلى أن تسحب الدول تحفظاتها على الاتفاقيات السابقة.

2- الدعوة إلى ضم البروتوكول الاختياري للسيداو "الخاص بجواز شكوى المواطنات لدولها أمام الأمم المتحدة" إلى الاتفاقية الأصلية.

3- ربط المساعدات الدولية بالتجاوب في هذين النقطتين، وفي الواقع فإن ضم البروتوكول الاختياري يتجاوز بنا ربط المساعدات بالتوقيع لندخل في توقيع العقوبات والسماح للمواطنين بشكوى دولهم!

4- بالإضافة إلى بعض المطالب الأكثر تطرفًا التي عادة ما تعرض من بعض الدول ثم تسحب في مقابل توقيع الدول الإسلامية على الوثيقة الأصلية.

والغريب في الأمر: تراجع أداء مصر بعد الثورة عن أدائها قبلها في هذه القضية الحيوية؛ حيث اكتفى الوفد المصري بتقديم اقتراح هزيل يطالب بمراعاة عادات وتقاليد كل دولة عند التطبيق، وهو أضعف شكلاً ومضمونًا من التحفظ السابق لمصر على الاتفاقية قبل أن تزداد انحرافًا كما هي الآن! مما يستدعي من جميع الدعاة والساسة "وقفة جادة" للوقوف في وجه ذلك الخطر.

www.anasalafy.com

موقع أنا السلفي

   طباعة 
3 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
من تاريخ الصراع بين السلفية والإخوانية

جديد المقالات

Separator

روابط ذات صلة

Separator

القرآن الكريم- الحصري

القرآن الكريم- المنشاوي

القرآن الكريم- عبد الباسط

القرآن الكريم- البنا

 الحج... رحلة المغفرة