اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع


حرمة أهل العلم. الشيخ/ سعيد محمود

آداب التخلي -3

المادة
    آداب التخلي -3
    375 زائر
    08-12-2016
    محمد إسماعيل المقدم

    آداب التخلي [3]

    محمد إسماعيل المقدم

    اختلف العلماء في بعض المسائل المتعلقة بقضاء الحاجة، ودخول الخلاء والخروج منه، ومن هذه المسائل: حكم البول قائماً، وكذلك استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة في الفضاء والبنيان، ومعرفة أدلة المختلفين في هذه المسائل وجمعها من أسباب معرفة الصواب فيها.

    حكم البول قائماً

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فمن آداب التخلي ألا يبول الإنسان قائماً، بل يبول قاعداً؛ لئلا يترشش البول عليه، وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم. وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً. وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) قال الإمام الترمذي رحمه الله: وهذا أصح شيء في الباب. وقد رويت الرخصة في البول قائماً عن عمر و علي و ابن عمر و زيد بن ثابت و سهل بن سعد و أنس و أبي هريرة و عروة رضي الله عنهم أجمعين. ودليلهم هو ما رواه حذيفة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) والسباطة هي المكان الذي تلقى فيه الفضلات من التراب والكناسة. فهذا هو الحديث الذي يستدل به من رخص في البول قائماً؛ فلذلك نحن قلنا: يستحب أن يبول الإنسان قاعداً، ومعنى ذلك أنه لا يأثم من بال قائماً، وسبب قول ابن مسعود : هذا من الجفاء، أنه لم يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائماً، وكذلك قول عائشة رضي الله عنها: (من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) لا شك أنها أخبرت عن علمها، لكن من علم حجة على من لا يعلم، فقد صح عن بعض الصحابة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يبول قائماً مرة أو مرتين، وهذا لا ينافي حديث عائشة، فهي أخبرت عما تعلمه. ونقول: كان غالب حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم البول قاعداً، أما ما ثبت من تبوله عليه الصلاة والسلام قائماً فيأتي الجواب عنه إن شاء الله تعالى. فأول دليل على الرخصة في جواز البول قائماً حديث حذيفة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) رواه البخاري وغيره، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ليبين الجواز، ولم يفعله إلا مرة واحدة، وبعض العلماء قال: إن ذلك كان لعلة بمأبضيه، وبعضهم قال: لأنه لم يكن هناك مكان يتمكن من الجلوس فيه. وقد تأتي أغلب الأدلة في مسألة من المسائل بالمنع، ثم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه فعل هذا الشيء الذي نهانا عنه، فيحمل العلماء هذا على أنه فعله ليبين الجواز، وليبين أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو نهي كراهة تنزيهية مثل الشرب قائماً، وكذلك الشرب من فم القربة أي: السقاء، يقول بعض العلماء: وقد يفعل للمكروه مبيناً أنه للتنزيه فيكون في حقه من القرب كالشرب من فم القرب ومعنى البيتين: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد يفعل الشيء المكروه مبيناً أنه للتنزيه؛ لأن المكروه قد يطلق على الحرام، كما قال عز وجل بعدما ذكر قتل النفس والزنا وأكل مال اليتيم: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:38] فهناك كراهة تحريم وكراهة تنزيه، فإذا نهى عليه الصلاة والسلام أمته عن فعل معين ثم فعله فهو يريد بذلك التوسعة عليهم، وليبين أن هذا النهي ليس للتحريم وإنما هو للتنزيه. فقد يسأل سائل ويقول: إن الله عز وجل لا يختار لنبيه صلى الله عليه وسلم إلا ما هو أفضل، فإذا كان النهي عن هذا الشيء أفضل فكيف يفعل النبي عليه الصلاة والسلام المفضول الذي نهى عنه؟ فالجواب: أن هذا يكون في حقه عليه الصلاة والسلام قربة فاضلة وليست مفضولة؛ لأنها في مقام التشريع والتوسيع على أمته ورفع الحرج عنها، فكما نهى عن الشرب من في السقاء وفعل ذلك مرة؛ ليدل على أن الكراهة تنزيهية، وكذلك كان أغلب أحواله عليه الصلاة والسلام أنه لا يبول قائماً، وفعل ذلك مرة؛ حتى يرفع الحرج عن الأمة، ويبين أن البول حال الجلوس هو على الاستحباب وليس على الوجوب. يقول ابن قدامة : ولعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لتبيين الجواز، ولم يفعله إلا مرة واحدة، ويحتمل أنه كان في موضع لا يتمكن من الجلوس فيه، وقيل: فعل ذلك لعلة كانت بمأبضيه، والمأبض: هو باطن الركبة من كل حيوان. ويقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع: روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (ما بلت قائماً منذ أسلمت) رواه الترمذي في كتابه تعليقاً لا مسنداً. وروى ابن ماجة والبيهقي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (أتى رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبول قائماً فقال: يا عمر ! لا تبل قائماً، فما بلت بعد قائماً) لكن إسناده ضعيف. وروي عن جابر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل قائماً) رواه ابن ماجة و البيهقي وضعفه البيهقي وغيره. وهذه أحاديث ضعيفة يغني عنها حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) رواه أحمد و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و البيهقي وغيرهم، يقول النووي : وإسناده جيد وهو حديث حسن. وأما الحديث الآخر: (أن النبي صلى الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) فهذا حديث صحيح رواه البخاري و مسلم من رواية حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. قوله: (لعلة بمأبضيه) هذه الزيادة رواها البيهقي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، لكن قال البيهقي : لا تثبت هذه الزيادة. ......

    البول حال القيام بين الكراهة والإباحة

    قال النووي رحمه الله: أما حكم المسألة فقال أصحابنا: يكره البول قائماً بلا عذر كراهة تنزيه، ولا يكره للعذر، يقول: وهذا مذهبنا. وقال الإمام ابن المنذر رحمه الله: واختلفوا في البول قائماً، فثبت عن عمر بن الخطاب و زيد بن ثابت و ابن عمر و سهل بن سعد رضي الله عنهم أنهم بالوا قياماً، وروي ذلك عن علي و أنس و أبي هريرة وفعله ابن سيرين و عروة، وكرهه ابن مسعود ، وصح عنه موقوفاً أنه قال: (من الجفاء أن يبول الرجل قائماً) رواه البيهقي . كذلك كرهه الشعبي و إبراهيم بن سعد، وكان لا يقبل شهادة من بال قائماً. وقال مالك إن كان في مكان يتطاير إليه من البول شيء فمكروه، وإن كان لا يتطاير فلا كراهة. قال ابن المنذر : البول جالساً أحب إلي وقائماً مباح، وكل ذلك ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    جواب استشكال كونه عليه الصلاة والسلام بال في سباطة قوم خاصة بهم

    قد يستشكل هنا كيف بال النبي صلى الله عليه وسلم في سباطة قوم وهي مكان خاص بهم؟! أجاب العلماء عن هذا الاستشكال بعدة إجابات أظهرها: أنه علم أن أهلها يرضون بذلك ولا يكرهونه، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه. الجواب الثاني: أن سباطة القوم لم تكن خاصة بهم فقط، بل كانت بفناء دور الناس كلهم، فأضيفت إليهم لقربهم منها. الجواب الثالث: أنهم أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة فيها بصريح الإذن أو معناه والله تعالى أعلم.

    سبب بوله صلى الله عليه وسلم قائماً

    ذكر الخطابي و البيهقي في سبب بوله صلى الله عليه وآله وسلم قائماً أوجهاً: الوجه الأول -وهو المروي عن الإمام الشافعي رحمه الله-: أن العرب كانت تستشفي بالبول قائماً لوجع الصلب، فكان به صلى الله عليه وسلم إذ ذاك وجع الصلب. قال القاضي حسين في تعليقته: وصار هذا عادة لأهل هراة، يبولون قياماً في كل سنة مرة إحياءً لتلك السنة. وهذا كلام لا ينسب إلى الشريعة، وإنما ينسب إلى تصور أهل الدنيا في علوم الدنيا من الناحية الطبية، وربما يكون فيها شيء من الصحة، فهذا يرجع إلى العلوم التي كانت قاصرة فيما مضى، أو ربما كانت أساساً تقوم على التجريب، ولأجل ذلك نحن قد لا نقبل هذا التأويل في هذا الزمان. الوجه الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم بال قائماً لعلة كانت بمأبضيه، وذكرنا أن هذه الزيادة رواها البيهقي ، ولكنه ضعفها وقال: لا تثبت هذه الزيادة. والمأبض يجوز فيه تخفيف الهمزة فتقول: مابض أو مأبض كما تقول: الراس أو الرأس، لما مات العباس رضي الله عنه استحيا الناس أن يعزوا ابنه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فتشجع رجل وأقبل عليه وقال: اصبر نكن بك صابرين وإنما صبر الرعية عند صبر الراس خير من العباس صبرك بعده والله خير منك للعباس والشاهد أنه قال: (الراس)، فهذه الكلمة يصح فيها تخفيف الهمزة. الوجه الثالث: أنه لم يجد مكاناً يصلح للقعود، فاحتاج إلى القيام إذا كان الطرف الذي يليه عالياً مرتفعاً. الوجه الرابع: أنه لبيان الجواز كما ذكرنا. الوجه الخامس ما قاله الخطابي : لكون ذلك -أي: البول حال القيام في السباطة- في الغالب سهلاً ليناً ليس صلباً بحيث يتردد إليه الرشاش، وإنما يتسرب فيه البول ولا يرجع على البائل.

    حكم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة

    يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا يجوز استقبال القبلة في الفضاء لقضاء الحاجة -الفضاء أي: الصحراء أو الخلاء- وهذا في قول أكثر أهل العلم، وهو مذهب الشافعي وقول العباس بن عبد المطلب و عبد الله بن عمر و الشعبي و مالك و إسحاق ورواية عن الإمام أحمد . واستدلوا بما رواه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، ولكن شرقوا أو غربوا، قال أبو أيوب : فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل) متفق عليه. قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أتى أحدكم الغائط) الظاهر هنا أن الغائط المقصود به هنا الموضع الذي يتغوط فيه، قال أهل اللغة: أصل الغائط المكان المطمئن، كانوا يأتونه للحاجة، فكنوا به عن نفس الحدث كراهة لاسمه. ومن عادة العرب التعفف في ألفاظها، واستعمال الكنايات في كلامها، وصون الألسن مما تصان الأبصار والأسماع عنه، وهذا في القرآن وغيره كثير جداً. ولـمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها). ......

    حكم استقبال بيت المقدس حال قضاء الحاجة في الفضاء والبنيان

    قال العلماء: لا يحرم استقبال بيت المقدس ببول ولا غائط ولا استدباره لا في البناء ولا في الصحراء، لكن يكره؛ لكونه كان قبلة، واستدل بعض العلماء بحديث معقل بن أبي معقل الأسدي رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقبل القبلتين ببول أو غائط) رواه الإمام أحمد و أبو داود و ابن ماجة ، وقال النووي : إسناده جيد ولم يضعفه أبو داود . وهناك عدة أجوبة عن هذا: الأول: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن استقبال بيت المقدس حيث كان قبلة، يعني: كأن النهي حصل مرتين، لما كانت القبلة أولاً إلى بيت المقدس نهى عليه الصلاة والسلام في ذلك الزمان عن استقبال القبلة التي كانت في بيت المقدس، ثم نهى عن استقبال الكعبة حين صارت هي القبلة، فجمعهما الراوي في حديث واحد فقال: (نهى أن يستقبل القبلتين ببول أو غائط)، وهذا جواب ضعيف. الجواب الثاني: أن المراد بالنهي أهل المدينة خاصة؛ لأن من استقبل بيت المقدس وهو في المدينة استدبر الكعبة، وإن استدبر بيت المقدس استقبل الكعبة، وهذا التأويل ضعيف أيضاً. أما المختار الظاهر عند الإمام النووي رحمه الله، فقد قال: إن النهي وقع في وقت واحد، وأنه عام لكلتيهما في كل مكان، ولكنه في الكعبة نهي تحريم إذا كان في الفضاء، وفي بيت المقدس نهي تنزيه، ولا يمتنع أن يجتمع نهي واحد يكون فيه تحريم وتنزيه وإن اختلف معناه، وسبب النهي عن بيت المقدس كونه كان قبلة فبقيت له حرمة الكعبة، وقد اختار الخطابي هذا التأويل. فإن قيل: لم حملتموه في بيت المقدس على التنزيه؟ قلنا: للإجماع فلا يعلم من يعتد به حرمه، فالصارف للنهي عن التحريم إلى التنزيه هو الإجماع.

    حكم استقبال القبلة حال الاستنجاء والجماع

    قال بعض العلماء: لحرمة الكعبة يكره استقبال القبلة حال الاستنجاء، قال الشافعية: لا يكره ذلك، بل يجوز استقبال القبلة حال الاستنجاء؛ لأن النهي ورد في استقبالها ببول أو غائط. وقال الشافعية أيضاً: ولا كراهة في إخراج الريح إلى القبلة أيضاً لما ذكرنا. وقال الشافعية أيضاً: يجوز الجماع مستقبل القبلة ومستدبرها في البناء والصحراء؛ لأن الشرع ورد في البول والغائط.

    مذهب أبي أيوب في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة في البنيان

    قال أبي أيوب رضي الله تبارك وتعالى عنه في الحديث الذي ذكرناه: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل). أجاب بعض العلماء على ذلك من وجهين: أحدهما: أنه شك في عموم النهي للبنيان والفضاء، فلما شك احتاط بالاستغفار، فلا يحمل ذلك على أنه جزم بتحريم هذا حتى داخل البنيان، وإنما هو كنوع من الاحتياط والتورع منه رضي الله عنه. الوجه الثاني: أن هذا مذهب أبي أيوب رضي الله عنه، فهو لم ينقله عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحاً، وقد خالفه غيره من الصحابة. إذاً: أحاديث النهي جاءت عامة بدون التفريق بين البناء والصحراء، كما في حديث أبي أيوب رضي الله عنه، لكن الشرع قد جاء بالتفريق بين كونه في البينان أو كان يستره شيء كما جاء عن ابن عمر وبين كونه في الفضاء، فإذا ورد الشرع بالفرق فلا يلتفت إلى قياس ولا إلى من يخالف هذه الأدلة، ومع ذلك فالفرق ظاهر بين الحالتين، فإن المشقة تلحق الإنسان في البناء دون الصحراء.

    من قال بجواز استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة

    قال عروة بن ربيعة و ربيعة و داود : يجوز استقبالها واستدبارها في البناء والصحراء؛ لما روى جابر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب، وحسنه النووي رحمه الله. قال هؤلاء الأئمة الثلاثة: إن هذا دليل على وقوع النسخ؛ لأن الصحابي رآه يفعل ذلك قبل أن يقبض بعام، فدل على نسخ وإلغاء الحكم السابق الذي تضمنه حديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه.

    رد الجمهور على من جوز استقبال القبلة عند قضاء الحاجة في الفضاء

    يقول الإمام ابن قدامة : ولنا أحاديث النهي وهي صحيحة. يعني: على صحة مذهبنا الذي عليه جمهور علماء الأمة. قال: وحديث جابر يحتمل أنه رآه في البنيان أو مستتراً بشيء. وسيأتي حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النهي إنما هو في الفضاء، أما إذا كان في البنيان فيجوز. ثم قال: ولا يثبت النسخ بالاحتمال. أي: احتمال أنه كان مستتراً بشيء أو كان في البنيان. قال: ويتعين حمله على ما ذكرنا؛ ليكون موافقاً للأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك.

    أقوال العلماء في استقبال القبلة واستدبارها في البنيان

    قال ابن قدامة: أما في البنيان أو إذا كان بينه وبين القبلة شيء يستره ففيه روايتان عن الإمام أحمد : إحداهما: لا يجوز حتى في البنيان. يعني: لا يستدبر ولا يستقبل القبلة عند قضاء الحاجة، سواء في الفضاء أو البنيان، وهذه الرواية للإمام أحمد، وهو قول الثوري و أبي حنيفة ؛ لعموم الأحاديث في النهي؛ لأن أحاديث النهي لم تخصص البنيان من الفضاء. أما الرواية الثانية: فهي أنه يجوز استقبالها واستدبارها في البنيان، وروي ذلك عن العباس و ابن عمر رضي الله عنهم وبه قال مالك و الشافعي و ابن المنذر . يقول ابن قدامة: والصحيح أنه يجوز استقبالها واستدبارها في البنيان؛ لحديث جابر رضي الله عنه. وقد روت عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له أن قوماً يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوقد فعلوها؟! استقبلوا بمقعدتي القبلة) رواه الإمام أحمد و ابن ماجة وحسنه النووي ، لكن أشار البخاري رحمه الله تعالى في تاريخه في ترجمة خالد بن أبي الصلت إلى أن في هذا الحديث علة. يقول ابن قدامة: رواه أصحاب السنن وأكثر أصحاب المسانيد منهم: أبو داود الطيالسي رواه عن خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة ، قال أحمد : أحسن ما روي في الرخصة حديث عائشة وإن كان مرسلاً فإن مخرجه حسن. وقال أحمد : و عراك لم يسمع من عائشة فلذلك سموه مرسلاً. فقوله صلى الله عليه وسلم: (أوقد فعلوها؟) استفهام لأن هذا النوع من الاستفهام يقتضي الإقرار به فضيحة، كما يقتضي الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه. قوله: (استقبلوا بمقعدتي القبلة) المقعدة: بفتح الميم هي الموضع الذي يقعد عليه الإنسان لقضاء الحاجة، يعني: حولوا هذا الموضع إلى اتجاه القبلة، والحديث فيه علتان. يقول ابن قدامة : وهذا كله في البنيان، وهو خاص يقدم على العام. والعام هو حديث أبي أيوب : (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره)، والخاص هو حديث عائشة إذا صح، فهو يدل على أن ذلك إنما يكون في البنيان، فالخاص يقدم على العام. وعن مروان الأصفر قال: (رأيت ابن عمر رضي الله عنهما أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن ! أليس قد نهي عن هذا؟ قال:، بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس) رواه أبو داود و الدارقطني و الحاكم وصححه على شرط البخاري . يقول ابن قدامة : وهذا الفعل من ابن عمر تفسير لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم العام في حديث أبي أيوب : (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، ولكن شرقوا أو غربوا) ففعله يفسر أن ذلك إنما يكون في البنيان، فإن كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. يقول: وفيه جمع بين الأحاديث فيتعين المصير إليه. لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند العجز عن الجمع بين النصوص، ولأن النسخ فيه إبطال لأحد الدليلين في المسألة، وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، فهذا هو الذي ينبغي أن يسلك عند التعارض، فالجمع متى ما أمكن أولى. وعن الإمام أحمد أنه قال: يجوز استدبار الكعبة في البنيان والفضاء جميعاً؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: (رقيت يوماً على بيت حفصة رضي الله عنها فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) متفق عليه. لذلك صدر المسألة ابن قدامة بالقدر المتفق عليه بين أكثر أهل العلم فقال: لا يجوز استقبال القبلة في الفضاء لقضاء الحاجة في قول أكثر أهل العلم، ثم تعرض بعد ذلك للاستدبار على التفصيل الذي ذكرناه.

    حكم تمشيط الشعر والبول في مكان الاغتسال والاستحمام

    جاء في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمتشط أحدنا أو يبول في مغسله) رواه أحمد و أبو داود و النسائي و البيهقي وصححه النووي والحافظ ابن حجر وأيضاً الألباني . وقد رواه بعض التابعين عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وجهالة الصحابي لا تضر؛ لأن كل الصحابة عدول رضي الله عنهم، وأقمع الله الشيعة وأذلهم حيث يترجمون لبعض الصحابة المشهورين جداً مثل عبد الله بن مسعود فيكتبون: مجهول! ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهذا غير السب لهم والطعن واللعن. إذاً: جهالة الصحابي لا تضر؛ لأن جميع الصحابة عدول، وقد زكاهم الله وعدلهم رضي الله عنهم، حتى في الأمم السابقة قبل أن يخلقوا وقبل أن يوجدوا، قال الله: ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ [الفتح:29]. قوله: (إن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم) أي: لا يكون ذلك شغلنا الشاغل بحيث يمتشط أحدنا ويدهن ويسرح شعره ويضيع ما أوجب الله عليه، وهناك أحاديث أخرى في هذا المعنى، منها أنه عليه الصلاة والسلام: (نهى عن الإرفاه، قيل: وما الإرفاه؟ قال: كثرة التدهن والتنعم) وكذلك: (نهى عن الترجل إلا غباً) والترجل: هو تسريح الشعر. قوله: ( إلا غباً) يعني: في وقت دون وقت بحيث لا يواظب عليه ويكون شغله الشاغل. قوله: (أو يبول في مغتسله) يعني: مكان الاغتسال، أو كما سماه في الحديث الأول: (مستحمه) وسمي مستحماً؛ لأنه مشتق من الحميم، والحميم: هو الماء الحار الذي يغتسل به. يقول النووي : واتفق أصحابنا على أن المستحب ألا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة؛ لئلا يترشش عليه. وهذا في غير الأماكن المتخذة لهذا الفعل كالمرحاض فلا بأس به؛ لأنه لا يترشش عليه، ولأن في الخروج منه إلى غيره مشقة. ......

    حكم تغطية الرأس ولبس الحذاء حال قضاء الحاجة

    يقول الإمام النووي والإمام ابن قدامة : ويستحب أن يغطي رأسه حال قضاء الحاجة. تغطية الرأس هي نوع من التعبير عن الحياء، فلقد كان السلف يستحيون أن يكشف أحدهم رأسه، وهذه المسألة ترجع إلى العرف، ففي بعض البلاد قد يقدح في مروءة الشخص إذا كان يكشف رأسه، وفي بعضها لا يقدح أن يكشف رأسه، فهذه الأمور ترجع إلى العرف، وأمور المروءة ليس فيها تحريم أو إثم، لكن يقولون في تعريف الرجل العدل: هو الذي لم يرتكب كبيرة، ولا يصر على صغيرة، ولا يأتي بفعل يخالف المروءة. فالإنسان لابد أن يجتهد في مراعاة المروءات وأعراف الناس الذين يعيش بينهم؛ لأنه ليس كل شيء لابد أن يكون مثل حد السيف وفيه حلال وحرام ويكون عليه أدلة، لا. فمثلاً: عندما نرى شخصاً يمضغ العلك في الشارع، نقول له: هذه الطريقة منفرة، فعلى الإنسان أن يراعي وقاره وهيئته ووجاهته، كذلك لو أن الإنسان مشى بإزار يستر ما بين سرته وركبته ففعله هذا ليس بحرام، لكن هل هذا من المروءة؟! لا ليس من المروءة. فالشاهد أن على الإنسان أن يراعي ظروف المجتمع وعاداته ما لم تخالف كتاب الله عز وجل وسنة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. حكي عن نافع أنه صلى وهو حاسر الرأس، فقال له ابن عمر : هل إذا خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا حاسر الرأس؟ فقال: لا، قال: فالله أحق أن يتزين له، أو فالله أحق أن يستحيا منه. جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال للصحابي الجليل معاوية بن حيدة (احفظ عورتك إلا من أهلك أو ما ملكت يمينك) وحفظ الفروج يتضمن أمرين: حفظها عن المحرمات كالزنا وغير ذلك، وحفظها عن أن تكشف، فقال هذا الصحابي للنبي عليه الصلاة والسلام: (يا رسول الله! أرأيت إن كان أحدنا خالياً؟ - يعني: ليس معه أحد- فقال عليه الصلاة والسلام: فالله أحق أن يستحيا منه الناس) فحتى في حال الاختلاء يجتهد الإنسان ألا يتكشف. يقول الإمام النووي رحمه الله: قال إمام الحرمين و الغزالي والبغوي وآخرون: يستحب ألا يدخل الخلاء مكشوف الرأس، قال بعض أصحابنا: فإن لم يجد شيئاً وضع كمه على رأسه. ثم قال: ويستحب ألا يدخل الخلاء حافياً. روى البيهقي بإسناده حديثاً مرسلاً: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء لبس حذاءه وغطى رأسه) وهذا حديث مرسل ضعيف. وروى البيهقي أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء غطى رأسه، وإذا أتى أهله غطى رأسه) لكنه ضعيف أيضاً. قال البيهقي : وروي في تغطية الرأس عند دخول الخلاء عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو صحيح عنه. يقول النووي : وقد اتفق العلماء على أن الحديث المرسل والضعيف والموقوف يتسامح به في فضائل الأعمال وهذا منها، وكلام الإمام النووي رحمه الله في حكاية اتفاق العلماء على هذا فيه نظر. ......

    حكم دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله

    من الآداب ألا يصطحب شيئاً فيه ذكر الله عز وجل. يقول ابن قدامة : إذا أراد دخول الخلاء ومعه شيء فيه ذكر الله تعالى استحب وضعه، لكن لا يجب عليه أن يضع هذا الشيء الذي فيه ذكر لله. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه) رواه ابن ماجة و أبو داود والبيهقي و الترمذي و النسائي ، وضعفه أبو داود و النسائي و البيهقي ، قال أبو داود : هو منكر، وإنما يعرف عن أنس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من ورق - أي: من فضة- ثم ألقاه) وقال النسائي : وهذا الحديث غير محفوظ، وخالفهم الترمذي فقال: حديث حسن صحيح غريب. وقيل: إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يضعه؛ لأن فيه محمداً رسول الله، ثلاثة أسطر: سطر فيه محمد، وسطر فيه رسول، وسطر فيه الله، وهذا ثابت في الصحيحين: (أن نقش خاتمه صلى الله عليه وسلم (كان محمد رسول الله)) عليه الصلاة والسلام.

    موقع أنا السلفي

    www.anasalafy.com

       طباعة 
    0 صوت
    الوصلات الاضافية
    عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
مسابقة الأساس المستوى الأول
 الحج... رحلة المغفرة