(فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)

)فَاسْتَمِعُوا لَهُ
وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)



كتبه/ محمد خلف



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛   



فقد قال الله -سبحانه وبحمده-: (وَإِذَا لَمْ
تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا
يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
)
(الأعراف:203-204).



فقد عظم الله -تعالى- القرآن وكرمه بأشرف الصفات وأعلاها، ثم أرشدهم إلى أن
هذا القرآن هو أعظم المعجزات، وأبين الدلالات، وأصدق الحجج والبينات، فقال: (هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ
)
(انظر تفسير ابن كثير).



فإذا كان الحال كذلك من فضل ومنزلة هذا القرآن العظيم وأثره على مَن آمن به
واتبع هداه، فإذا قرئ هذا القرآن الذي نوهنا بفضله وشرفه -أيها المؤمنون- (فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) أي: اصغوا إليه
واصمتوا، واقطعوا عنكم كل ما يشغلكم عنه لتدبره وتفهمه، ليحصل لكم -بإذن الله-
رحمة أرحم الراحمين، كما قال الله -سبحانه تعالى-: (لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ
).



قال الليث بن سعد -رحمه الله-: "يقال: ما الرَّحمة
إلى أحدٍ بأسرع منها إلى مستمع القرآن؛ لقولِ الله -جَلَّ ذكره-: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
)، و"لَعَلَّ " من الله -تعالى-
واجبة".



وفي قوله -سبحانه وبحمده-: (لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ
) اللفظ عام شامل لكل رحمة، فلم يقيد رحمة دون رحمة، فيحصل به
رحمة الدنيا والآخرة.



وانظر إلى سعة رحمة أرحم الراحمين يمدح كتابه ويبرز عظيم صفاته ليرغبك
ويحفزك، ويشحذ الهمم للإقبال عليه، ويأمرك بالاستماع والإنصات إليه لا لأجله، فهو
الغني الحميد -سبحانه وبحمده-، ولكن لرحمتك في الدنيا والآخرة، وقس على ذلك شتى
أوامره -سبحانه- ونواهيه لك، فهي لأجل مصلحتك وسعادتك ووحمتك في الدنيا والآخرة،
فاللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.



وهذا الأمر بالاستماع والإنصات واجب في الصلاة والخطبة، أما في غير الصلاة
والخطبة فيستحب ذلك ولا يجب، وهذا مذهب جماهير المفسرين كما رجَّح ذلك ابن كثير،
ونقل ذلك أيضًا عن شيخ المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله- فقال: "وَهَذَا
اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ، الْإِنْصَاتُ فِي الصَّلَاةِ
وَفِي الْخُطْبَةِ؛ لِمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ
خَلْفَ الْإِمَامِ وَحَالَ الْخُطْبَةِ"
(انتهى من تفسير ابن كثير).



اما في غير الصلاة والخطبة فلا بأس بالكلام، وإن كان
الاستماع والإنصات أفضل ولا شك، وفضله عظيم؛
فاجتهد ألا تفرط  فيه حسب الاستطاعة، وأشرتُ إلى ذلك؛ لأن البعض
قد يتحرج أحيانًا من تشغيل القرآن في العمل أو السيارة أو المطعم؛ بسبب عدم إنصات
الناس له، فنقول له كما قال مجاهد -رحمه الله-: "لَا بَأْسَ إِذَا قَرَأَ
الرجل في غير الصلاة أن يتكلم".



فلا حرج عليك -إن شاء الله- في عدم الاستماع والإنصات ولربما أنصت غيرك
واستمع له، فحصل له الخير  من الانتهاء عن
السوء أو عمل الصالحات، ولربما أسلم أحدهم بسماعه فشرح الله صدره للإسلام، فرحموا
بسببك، والدال على الخير كفاعله.



والعجب من تلبيس الشيطان على بعض هؤلاء الكرام أنه
يمنعه من تشغيل القرآن بحجة عدم الاستماع والإنصات إليه، ويقنعه بتشغيل الأغاني
والمعازف المحرمة!
فيقع فيما حرَّمه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومن ضرره عظيم عليه
وعلى مَن استمع إليه، فيتحمل أوزار هؤلاء غير أنه أيضًا لا يُنقص من أوزارهم شيئًا
كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ دَعَا إِلَى
ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا
يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا
)
(رواه مسلم).



فاللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب
همومنا وغمومنا.



موقع أنا السلفي



www.anasalafy.com



 



: 30-11-2020
طباعة