الفساد (78) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (6) عدم الانضباط والفوضى



الفساد (78) سلبيات
أبرزتها أزمة كورونا (6) عدم الانضباط والفوضى



كتبه/ علاء
بكر



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما
بعد؛



فإن مِن
السلبيات التي صار يعاني منها المجتمع المصري:
ما انتابه مِن مظاهر عدم الانضباط وصور الفوضى
التي يؤرِّخ البعض لبدء ظهورها بتطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي التي انتهجها
السادات في النصف الثاني من السبعينيات، والتي أحدثت تراجعًا كبيرًا في السلوكيات
والأخلاقيات لم يعهدها المجتمع المصري بهذه الدرجة وهذا الانتشار من قبل، والتي لا
تخطئها أي عين، ولا تبعد عن أي أذن مِن ألفاظ أو عبارات غير لائقة أو تصرفات
وسلوكيات وأخلاقيات، مبنية على اللامبالاة والإهمال وعدم الشعور بالمسئولية، وعلى
الحرص على تقديم المصلحة الفردية على المصلحة العامة، أو على عدم مراعاة لقِيَم
وأعراف المجتمع أو عدم الالتزام بقوانين البلاد وتوجيهات المسئولين.



وهذا ما نراه
ونلمسه في شوارعنا وميادينا، وفي أسواقنا ووسائل مواصلاتنا، وفي مدارسنا
وجامعاتنا، بل في الأماكن الحكومية، وغيرها.



وهي سلبيات يرجعها البعض إلى ظهور طبقة جديدة
متزايدة ملكت المال، ولكن غلب عليها ضعف التعليم؛ هذا بالإضافة إلى انتشار الأمية،
وتآكل الطبقة الوسطى؛ بالإضافة إلى ما روَّجت له السينما من خلال أفلام العنف
والإجرام والمخدرات، وما أفرزته من نماذج سيئة ومسيئة "للشباب خاصة،
والمصريين عامة"، إلى جانب فقد الإعلام المصري لدوره وتأثيره في الإصلاح
والتوجيه، بل صار الإعلام -خاصة من خلال قنوات الميديا الخاصة- من المساهمين في
هذه الفوضى الأخلاقية والسلوكية، وقبل ذلك كله وبعده فهناك ضعف في الوازع الديني
عند الكثيرين، وهي سلبيات تنم عن عدم وعي مِن مرتكبيها، وقلة المراقبة والمحاسبة
والمعاقبة من المسئولين.



وقد زاد الأمر سوءًا وخطورة ازدياد عدم الانضباط
والفوضى مع ظهور أزمة فيروس كورونا؛ إذ إن عواقب عدم الانضباط هنا تتعلق بانتشار
وباء يهدد حياة الجميع.



ما الانضباط؟



انضبط، أي: صار مضبوطًا، وضبطه ضبطًا: حفظه
بالحزم حفظًا بليغًا، وأحكمه وأتقنه. ويُقال: ضبط البلاد: قام بأمرها قيامًا ليس
فيه نقص
(انظر: المعجم
الوجيز)
. وانضبط
الجندي: أي: خضع للأوامر. ويُقال: انضبطت الساعة: أي: انتظمت حركتها، وتم إصلاح ما
بها مِن خللٍ.



وينقسم الانضباط إلى انضباط عام وانضباط ذاتي.



ويعرف قاموس
(كامبردج) الانضباط العام بأنه:
(التدريب الذي يجعل الناس أكثر استعدادًا
للطاعة، أو أكثر قدرة على التحكم في أنفسهم، ويكون غالبًا في شكل قواعد وعقوبات
إذا تم كسر تلك القواعد، أو هو السلوك الناتج عن هذا التدريب)، وبعبارة أخرى:
(الانضباط العام: هو ممارسة تدريب الناس على الامتثال للقواعد أو مدونة السلوك
باستخدام العقاب لتصحيح العصيان).



أما الانضباط
الذاتي:
(فهو القدرة
على جعل نفسك تفعل أشياء تعرف أنه يجب عليك القيام بها حتى عندما لا ترغب في ذلك)
(راجع: مجلة "الصين اليوم" عدد مايو
2020 م، ص: 78)
.



فالانضباط بحكم التعريف له علاقة وثيقة بالطاعة
والانصياع والتقييد، وينبغي أن يكون هدف الإدارة الحكومية هو استعادة الحالة
الأصلية للتوازن النسبي والحفاظ عليها، وهذا يتحقق بتوظيف مبدأ التوسط للتسوية بين
جانبين متطرفين؛ هذا التوسط يجب أن يؤدَّى بحيادية وبروح من الاعتدال والتعاون،
ومن الضروري اللجوء إلى إجراءات لا تكون لينة للغاية ولا صارمة جدًّا؛ مِن أجل
الحفاظ على النظام ومنع مزيدٍ مِن النزاعات
(المصدر السابق، ص 79). والانضباط ليس نقيضًا للحرية كما يظن البعض،
وإنما هو نقيض للانحراف والحرية العشوائية والفوضى
(المصدر السابق، ص 80).



قواعد
للانضباط في زمن الكورونا:



معلوم أن السلطات التنفيذية في مصر سارعت إلى
اتخاذ القرارات المطلوبة لمواجهة انتشار فيروس كورونا من خلال إجراءات احترازية
ووقائية، ومراجعة نتائجها كل أسبوعين، ومع تزايد الموجة الأولى من انتشار الفيروس
كانت التوجيهات بمنع التجمعات وحظر التجول لعدة ساعات، وتعطيل الدراسة في المدارس
والجامعات، وتقليل ساعات العمل في الأماكن الحكومية، وخفض أعداد العاملين فيها،
وإيقاف كل رحلات الطيران والسياحة، وتوقف خدمات الفنادق والمقاهي، وخفض ساعات
العمل في مصانع وشركات القطاع العام والخاص.



ومع امتداد
الأزمة لشهور، ومع السيطرة النسبية على انتشار المرض، ومع الحاجة الملحة لإيقاف نزيف
الخسائر الاقتصادية، وضرورة العودة التدريجية لدوران عجلة الحياة والإنتاج؛
اتخذت السلطات إجراءات جديدة للعودة التدريجية
للحياة الطبيعية بغرض التعايش مع الفيروس بقدر الإمكان. وخلال تلك الأحداث كانت
التوجيهات الدائمة إلى المواطنين بالالتزام بضوابط الوقاية والاحتراز من الإصابة
بالمرض أو المساهمة في نشره، وهي ضوابط الغرض منها الحفاظ على حياة الناس بمنع
انتشار الفيروس، ومن خلال الإعلام والإجراءات المنفذة على أرض الواقع أصبح الجميع
تقريبًا يعرف الكثير مما يجب عليه الالتزام به وعدم الخروج عنه في مواجهة الوباء.



ومن أهم هذه
التوجيهات والإجراءات بالطبع:



1- استخدام كمامات تغطي الفم والأنف، وارتداء
القفازات الطبية ذات الاستخدام الواحد، مع تجنب ملامسة الفم والأنف بأيدي غير
نظيفة.



2- غسل اليدين بالماء والصابون جيدًا من وقتٍ
لآخر، خاصة حال الخروج من البيت والعودة إليه، مع مراعاة التنظيف والتطهير المستمر
للأسطح الجافة أو الطرية التي يحتاج الناس لملامستها من وقتٍ لآخر، وتجنب ملامسة
الأسطح باليد ثم لمس الفم أو الأنف، مع التدريب على الاستعمال الصحيح للمطهرات
وبشكل دوري، حيث إن الفيروس سريع الانتشار، وانتشاره يتم من طريقين: الأول مباشر،
ويكون عن طريق رذاذ الشخص المصاب، والثاني غير مباشر، ويكون عن طريق لمس الأسطح
التي تحمل الفيروس.



3- تجنب أماكن الازدحام والتجمعات حيث تزداد فيها
معدلات الإصابة بالفيروس، خاصة في الأسواق والشوارع الرئيسية، ووسائل المواصلات
العامة، وملازمة البيت ما أمكن، وقصر الخروج على الأمور المهمة أو التي لا غنى
عنها للمعيشة والعمل، مع مراعاة عدم التزاحم في الطوابير والممرات، وعلى البوابات،
والمحافظة على التباعد الجسدي بمسافات آمنة.



4- التعامل مع الكمامات والقفازات المستعملة على
أنها نفايات طبية خطرة، حيث توضع بعد الاستعمال في سلال خاصة، وفي أكياس مميَّزة
باللون الأحمر، ثم التخلص منها بطريقة صحية آمنة، مع الحرص على الاقتصار على
استخدام الأدوات والأغراض الشخصية، واستخدام الأدوات الشخصية من مناديل ونحوها ذات
الاستخدام الواحد، مع تجنب استخدام أدوات الآخرين.



5- الحد من العادات التي تساهم في سرعة انتشار
المرض من الحرص على المصافحة والتقبيل، والمعانقة والاحتضان، للأهل والأقارب
والأصدقاء عند اللقاء أو عند الانصراف.



6- ضرورة عزل وبقاء المصابين بالبرد والأنفلونزا
أو الحالات اليسيرة المشتبه في إصابتهم بالفيروس، وكذلك المخالطين لهم داخل بيوتهم
طوال فترة ظهور أعراض المرض عليهم وحتى الشفاء التام، لمنع انتشار المرض حيث إن
الكثير من حالات المرض والأنفلونزا والبرد -وهي بالمئات والآلاف يوميًّا- لا تحتاج
في علاجها للعزل الصحي في المستشفيات اكتفاء بالعزل التام في البيت، مع التزام
قواعد العزل المنزلي، والتنسيق مع المستشفيات والجهات الطبية لصرف وتناول العلاج
اللازم، والراحة والتغذية المناسبة والتهوية الجيدة؛ خاصة في ظل استجابة المريض
للعلاج وتحسنه عليه، واستقرار حالته وعدم تدهورها.



7- العناية الخاصة وتشديد إجراءات الوقاية والاحتراز
للفئات الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس، ومنهم كبار السن والأطفال الصغار، والمصابين
بأمراض مزمنة بالصدر، والمصابين بضعفٍ في المناعة: كمرضى السكر، وقصر خروجهم
واختلاطهم بالآخرين على حالات الضرورة؛ خاصة في المناطق التي يكثر فيها انتشار
الفيروس.



8- غلق أو تحديد أو تقليل أعداد المتواجدين في
الأندية والصالات بأنواعها وقاعات الأفراح والاحتفالات والمقاهي، ومنع الشيشة
نهائيًّا، وكذلك الألعاب التي تقوم على اللمس والتداول، كالطاولة والدومينو
والكوتشينة.



ورغم وضوح تلك الإجراءات وأهميتها، ورغم أنها
تتعلق بأرواح الناس وحياتهم، ورغم الأنباء المتداولة ليل نهار عن آلاف المصابين
وعشرات أو مئات الموتى يوميًّا بسبب فيروس كورونا، فقد رأينا استهتار واستهانة
الكثيرين وعدم انضباطهم في التعامل مع الإجراءات الاحترازية والوقائية الواجب
الأخذ بها رغم بساطتها وأهمية دورها في الوقاية والحماية من المرض وانتشاره.



وهذا في الحقيقة امتداد لما دأب عليه المصريون في
العقود الأخيرة من عدم الانضباط والفوضى، ولكن بصورة خطيرة تعرِّض حياة الفرد ومِن
حوله للخطر القاتل، وبالفعل أدَّى عدم التزام المواطنين بالإجراءات الاحترازية
جيدًا إلى ارتفاع حالات الإصابة والوفاة بدرجة غير معتادة من قبل.



مظاهر لعدم
الانضباط في زمن الكورونا:



رغم أهمية ما ذكر من قواعد وإجراءات احترازية
للوقاية من فيروس كورونا، ورغم أهميتها، فإن انتشار مظاهر عدم الالتزام بهذه
القواعد والإجراءات تبيِّن بجلاء فقد الكثير من أفراد المجتمع للانضباط الواجب؛
خاصة في ظل وباءٍ قاتلٍ.



ونشير إلى
بعضٍ منها كما رأيناها جميعًا وسمعناها:



التهاون في
أمر الكمامة:



رغم أهمية دور الكمامة في الوقاية من انتشار
فيروس كورونا المستجد، ورغم سهولة استعمالها، ورغم التنبيهات في كل مكان من خلال
الملصقات على ضرورة استعمالها، ورغم الإعلان رسميًّا عن عقوبة مالية كبيرة حال عدم
ارتداء الكمامة في الأماكن العامة، ووسائل المواصلات، والأسواق، والأماكن
الحكومية؛ فإن غياب الوعي وعدم الانضباط، وغياب المحاسبة والعقاب؛ أدَّى إلى تهاون
غير عادي في استخدام هذه الوسيلة المهمة والفعَّالة في منع انتشار الفيروس،
فكثيرون لا يرتدون الكمامة في أماكن التجمعات.



وكثيرون يرتدونها بطريقة خاطئة فيغطون بها
أفواههم ولا يغطون بها أنوفهم، وكأن القضية تتعلق بالكلام بالفم ولا تتعلق بالتنفس
بالأنف.



وتجد الكمامات المستعملة، وهي كمامات معرضة أن
تكون حاملة للفيروس من مصابين أو مخالطين أو حاملي الفيروس، تجدها ملقاة على الأرض
في الشوارع وفوق تجمعات القمامة في الطرقات، في صورة صارخة من إهمال يتعلق بالتخلص
الآمن من هذه الكمامات المستعملة رغم خطورتها.



وتجد فوضى غير عادية في بيع الكمامات وتفاوت
أسعاها ما بين محلية ومستوردة، وما بين رديئة وجيدة، مع تكالب على شراء وتخزين
كميات منها، وبالتالي: ارتفاع أسعارها، وغياب الدولة عن القيام بدورها كاملًا في
توفيرها وبأسعار معقولة تحد من وجود سوق سوداء لها، أو التلاعب في إنتاجها، ومنع
نقص المعروض منها، رغم أنها فرصة طيبة لتشجيع الصناعة، وتنشيط سوق الإنتاج والعمل.



ووجدنا كمامات تباع من مصادر مجهولة في الشوارع
وفي وسائل المواصلات، وطالعتنا الصحف بأخبار عن ضبط أماكن تصنيع للكمامات غير
مرخصة وغير مطابقة للمواصفات الطبية، وعن تجار يقومون بتخزين كميات كبيرة من
الكمامات ثم يتحكمون في بيعها، وعن صيدليات تبالغ في الزيادة في أسعار الكمامات
التي تبيعها، وعن مافيا تقوم بتجميع الكمامات المستعملة وإعادة تدويرها وتصنيعها،
وبيعها بأسعار زهيدة في الأحياء الشعبية الفقيرة، وأماكن التجمعات، ومناطق
الازدحام.



فوضى
المطهرات:



رغم ضعف فيروس كورونا المستجد وسهولة القضاء عليه
باستعمال الماء والصابون أو المطهرات العادية كالكلور المخفف بالماء (نسبة الكلور
إلى الماء نسبة 1: 20)، أو بالكحول (بتركيز 75%)، فقد وجدنا صورًا من التخبط وعدم
الانضباط في استخدام هذه الوسيلة الفعالة ضد انتشار الفيروس.



فمن التكاسل عن استعمال المطهرات بصفة دورية، أو
استعمالها بطرق غير فعالة، إلى التهافت والتكالب على شراء وتخزين المطهرات
والمنظفات؛ مما أدَّى إلى نقص المعروض منها وارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق، بل
وظهور (بيزنس) الدخلاء والتجار المجهولين على مهنة بيع المطهرات الذين يستغلون
الموقف لجني الأرباح بأي طريقة.



بيع مطهرات مغشوشة غير صالحة للاستخدام يتم
تصنيعها في أماكن تصنيع خفية غير مرخصة باستخدام مواد غير مطابقة للمواصفات الصحية
والطبية استغلالًا للموقف وحاجة المواطنين والترويج لها على الأرصفة في المناطق
الشعبية بين البسطاء من المواطنين بأسعار زهيدة.



وقد طالعتنا الصحف من وقت لآخر بأخبار القبض على
العديد ممن يبيعون هذه المطهرات المغشوشة أو ممن يقومون بتجميعها في عبوات وبكميات
كبيرة في بعض المخازن السرية تمهيدًا لبيعها.



تجارة (بيزنس)
المستشفيات الخاصة:



في الوقت الذي أبلت فيها الكثير من المستشفيات
الحكومية والخاصة بلاءً حسنًا وقدَّمت الغالبية من الأطباء والتمريض جهودًا غير
عادية في التصدي لانتشار فيروس كورونا، والتعامل مع المصابين به، فقد كانت هناك
أقلية من المستشفيات الخاصة تتعامل مع الأزمة بعقلية التاجر الحريص على الربح؛
خاصة وأن هذه المستشفيات تتعامل مع الكثير من الأغنياء والأثرياء، وفي ظل الفزع من
المرض القاتل فتقدم خدماتها المميزة بأسعار عالية أو خيالية يعجز عنها الكثير من
المواطنين، فمِن زيارات منزلية للمشتبه في إصابتهم بالمرض في مقابل بلغ ثلاثة آلاف
جنيه للزيارة الواحدة، إلى اشتراط بعض المستشفيات الخاصة استقبال المصابين بالمرض
مقابل سداد 30 ألف جنيه عن كل يوم يقضونه بالمستشفى، إلى اشتراط أخرى تسديد 350
ألف جنيه عن الحالة الواحدة مقابل العلاج فيها مدة أسبوع.



(إن عائلة واحدة تسكن في القاهرة الجديدة دفعت في
أسبوع واحد ما يقرب من مليون جنيه لسداد فاتورة علاج ثلاثة أفراد فيها أصيبوا في
إجازة العيد. واللافت للنظر: أن عدد المستشفيات التي تقبل مصابي الفيروس تزايد
يومًا بعد يوم بعد أن أصبحت المكاسب اليومية بالملايين. والمثير للدهشة: أن تلك
المستشفيات وضعت على أبوابها لافتة: (كامل العدد)، وأصبح دخولها يحتاج إلى واسطة
بعد أن طالت قوائم الانتظار. ولا شك أن تعامل تلك المستشفيات مع كورونا أبعد
المرضى الآخرين عنها، وأصبح من الصعب وجود مستشفى لاستقبال حالات الطوارئ أو الولادة
أو كسور العظام أو الأزمات القلبية، ولتراجع وزيادة الطلب، ارتفعت تكاليف العلاج)
(راجع مقالة عادل حمودة "مافيا كورونا"
- جريدة الفجر - عدد الخميس 11 يونيو 2020م، ص3)
.



تجارة (بيزنس)
الصيدليات وشركات الأدوية:



في الوقت الذي تحمَّل فيه الكثير من الصيادلة جهودًا
كبيرة في تقديم الأدوية والمطهرات المطلوبة للمواطنين في ظل الحاجة الشديدة إليها؛
فقد عمد البعض إلى استغلال الأزمة في تحقيق مكاسب كبيرة وسريعة؛ فخبَّأ بعض أصحاب
الصيدليات الأدوية التي توصف في تقوية المناعة، وأدوية علاج الاشتباه في الإصابة
بالكورونا، وكذلك الكمامات والمطهرات فترة من الزمن ثم باعوها بضعف أسعارها.



وأخرجت بعض الصيدليات الأدوية القديمة المهربة في
مخازنها لتبيعها بأسعار عالية خاصة في ظل توقف حركة الطيران لعدة شهور، وباعت
شركات أدوية ما كان راكدًا من الأدوية في مخازنها حيث لم يجد الناس مفرًّا من
شرائها باعتبارها البديل المتوفر.



وساهم في الترويج لذلك ما تناقلته وسائل إعلامية
من مصادر طبية عن أهمية الفيتامينات والأدوية التي تساعد على رفع مناعة الجسم في
مقاومة المرض وانتشاره؛ مما أدَّى إلى تهافت المقتدرين على شراء هذه النوعية من
الأدوية وتخزينها لحين الحاجة إليها!



تجارة (بيزنس)
بلازما الدم:



في ظل انتظار ظهور مصل لعلاج فيروس كورونا
المستجد أو ظهور لقاح للوقاية منه وهي خطوة تحتاج لشهور طويلة -إن لم تكن سنين-
حيث يمر العقار المطلوب بمراحل ثلاث تثبت صلاحيته من جهة، وكونه أيضًا آمنًا من
جهة أخرى قبل بدء استخدامه في علاج البشر ظهرت بارقة أمل في علاج المصابين
بالفيروس باستخدام بلازما الدم من الأفراد الذين أصيبوا بالفيروس ثم تم لهم الشفاء
منه، وأصبح لديهم أجسام مضادة ضد الفيروس كونتها أجسامهم وتعطيهم مناعة لفترة
قادمة ضد الفيروس، وهو الأمل الوحيد وطوق النجاة حتى الآن أمام المصابين بالفيروس
في الشفاء؛ رغم أنه لا يضمن الشفاء لكل الحالات.



والبلازما: أحد مشتقات الدم، وهي السائل الذي فيه محتويات
الدم، ويتكون 90% منه من الماء و10% الباقي بروتينات. ويتم فصل البلازما من خلال
أجهزة ذات تقنية عالية، وفي حالة التبرع فإنه يتم عمل العديد من التحاليل للبلازما
لتحديد فصيلة الدم، وتحديد الأجسام المضادة للفصيلة، والتعرف على مقدار الأجسام
المضادة، وتحليل مدى مأمونية الدم بالكشف عن وجود الفيروسات التي تنتقل بواسطة
الدم كالفيروس الكبد الوبائي (ب) و(ج)، وفيروس نقص المناعة (الإيدز) باستخدام
طريقة الوميض الضوئي.



والعلاج بالبلازما ليس بشيء جديد؛ فقد تم
استخدامه من قبل مع حالات مرضى الإيبولا وسارس، كما استخدمته الصين في علاج
المصابين والحد من انتشار المرض. وهو علاج آمن وآثاره الجانبية قليلة، ولكنه ليس
علاجًا فعالًا 100 %. ولم يتم الإعلان حتى الآن عن اعتماد نقل بلازما المتعافين
كأحد طرق العلاج لمصابي كورونا، إذ ما زال الأمر في إطار التجارب الإكلينيكية وإن
أظهرت نتائج مبشرة تجعله من العلاجات المساعدة للأدوية في علاج مرض الكورونا، فقد
أعلنت بعض الدول أن نقل بلازما المتعافين ساهم في خفض نسبة الوفيات 40 %، وأعلنت
أمريكا أنه ساهم في خفض 35% من الوفيات، بينما في مصر أعلن رئيس اللجنة العلمية
لمكافحة الكورونا بوزارة الصحة أن تلك الآلية حققت نجاحًا بنسبة بشفاء 60 %.



ويشترط في المتبرع أن يكون عمره ما بين 18 إلى 60
سنة، وألا يقل وزنه عن 50 كيلو جرام، وأن يكون خاليًا من الأمراض المزمنة، ولم يقم
بجراحة كبرى أو زار طبيب أسنان في الفترة الأخيرة.



ويشترط لأخذ
بلازما المتبرع:



- ثبوت إصابته بالفيروس من خلال ثبوت مسحة
إيجابية له.



- ثبوت مسحتين سلبيتين بعد الشفاء للتأكد من عدم
عودة الإصابة بالفيروس.



- مرور ما بين 14 إلى 28 يوم على المسحة السلبية
الثانية، مع عدم ظهور أي أعراض أخرى جديدة للفيروس.



- والمعتاد أخذ 800 ملل بلازما من المتبرع، وهي
تكفي لعلاج مريضين، يعطى لكل مريض 400 ملل على جرعتين كل منهما 200 ملل بفاصل 12
ساعة، وتظهر نتائج التحسن خلال 3 إلى 5 أيام، ويتم الشفاء من الفيروس خلال 9 إلى
12 يوم. وقد خصصت وزارة الصحة في مصر عدة مراكز قومية للتبرع بالبلازما غير مصرح
بالتبرع إلا من خلالها لضمان كفاءة وسلامة وأمان البلازما قبل العلاج بها.



- ورغم أهمية هذه الطريقة في العلاج وإنقاذ أرواح
المصابين بالفيروس، ورغم أن المتبرع هو متعافي من المرض وكانت حياته من أيام قليلة
معرضة للخطر، ورغم أنه تم علاجه غالبًا في المستشفيات الحكومية برعاية من الدولة،
ورغم أنه يقدم تبرعه لأهله وإخوانه في نفس البلد (مصر) فقد وجدنا بعض الصور السيئة
للتعامل مع الأمر وتحويل التبرع بالبلازما إلى تجارة ووسيلة للكسب؛ خاصة بعد إعلان
وزيرة الصحة نجاح تجربة حقن المصابين ببلازما أشخاص تعافوا من الفيروس؛ مما (أدى
إلى ظهور سوق سوداء لبيع بلازما المتعافين، ووصل سعر كيس البلازما إلى 20 ألفا من
الجنيهات).



- (ظهور مَن يستغل الأزمة ويقوم بتزوير التقارير
الطبية والتحاليل؛ ليثبت إصابته بفيروس كورونا حتى ينصب على مَن يريدون الحياة،
طمعًا في أموال حرام متاجرًا بدمائه على حساب حياة الآخرين).



- سعي بعض الأثرياء على الحصول على أكياس دم من
المتعافين وتخزينها؛ خشية الإصابة بالفيروس والحاجة الماسة إليها.
(انظر في ذلك: حوار مجلة "طبيبك الخاص"
عدد 10 سبتمبر 2020م - محرم 1442 هـ، مع د. إيهاب سراج الدين - مدير مركز خدمات
نقل الدم القومي بوزارة الصحة، بعنوان: (بلازما المتعافين طوق النجاة لفيروس
كورونا، ص 24 -31)
، مقال:
"تجار الدم... أسرار البيزنس القذر لبيع البلازما لمصابي كورونا" جريدة
النبأ - عدد السبت 20 يونيو2020م، ص2)
.



فوضى أفراح
الأثرياء:



بلغ الاستهتار واللامبالاة بالبعض من الفنانين،
والأثرياء ورجال الأعمال، إقامة الأفراح والاحتفالات وأعياد الميلاد والعزومات
التي يحضرها عددٌ كبيرٌ من المدعوين بعيدًا عن إجراءات الاحتراز والوقائية، كما هو
واضح من خلال الصور والفيديوهات المعلنة والمنقولة عن هذه الاحتفالات، ومعلوم أن
هذه الأفراح تعرض الكثيرين من المدعوين بدرجة كبيرة للإصابة بالفيروس:



- فأقامت فنانة مشهورة حفل زفافها لشقيقها، حيث
شهد الحفل زحام كبير، وسجلته الفيديوهات المصورة للحفل.



- وأقام رجل أعمال سوري شهير مقيم بمصر حفل زفاف
في قصره المنيف وأحياه بعض المغنيين المشهورين، وشهده أعداد مهولة وغفيرة من
المدعوين أغلبهم من أهل الفن والإعلاميين، وعدد من الشخصيات العامة ورجال الأعمال.



- قرر رجل أعمال سكندري إقامة حفلين زفاف: الحفل
الأول لابنه الأصغر في فيلا والده في منطقة الكينج مريوط حيث وجهت فيه الدعوة
لغالبية رجال أعمال القاهرة والإسكندرية، وعدد من الساسة والسفراء والقناصل، وأهل
الفن والإعلام. والحفل الثاني: لابنته المخطوبة لابن جواهرجي شهير بالثغر في فندق
شهير بشرم الشيخ. وكان عريس الابنة ووالده قد أصيبا بالكورونا، وظل والده بالعناية
المركزة أيام خرج بعدها لمنزله ليستكمل العلاج؛ مما تسبب في تأجيل الزفاف من شهر
أكتوبر إلى شهر نوفمبر.



- ذكر أحد الأطباء أن عريسًا شابًا مصاب
بالكورونا وتحت العلاج حدد ميعاد زفافه قبل إتمام شفائه ورفض تحذير الطبيب له
خوفًا عليه وعلى أسرته وعلى العروس وأسرتها؛ بدعوى أنه (بياخد علاجه).



وقد أصيب طبيب كبير بالإسكندرية بالكورونا من أحد
أصدقائه المشاهير من رجال الأعمال، وحدثت له تجلطات، وأجريت له جراحة خطيرة ليخرج
منها إلى العناية المركزة ويتوفاه الله بعد يومين من الجراحة، وقد تسبب هذا الحادث
في صدمة لجميع، ولكن لم يمنعهم من حضور أفراح رجال الأعمال والأثرياء.
(انظر "حكايات شهيرة النجار" جريدة
الفجر - عدد الخميس 8 أكتوبر 2020م، ص 9)
.



يحدث هذا عندنا في الوقت الذي ألغت فيه الملكة
(إليزابث) ملكة إنجلترا إقامة الاحتفال بعيد ميلادها الرابع والتسعين هذا العام في
سابقة تحدث لأول مرة منذ أن اعتلت الملكة العرش قبل 68 عامًا مضت؛ إذ رأت أنه من
غير الملائم أن تحتفل بعيد ميلادها في ظل تفشي الفيروس في إنجلترا وتصاعد أزمته.
(انظر: "رؤساء وكورونا" عبد القادر
شعيب - كتاب الجمهورية أغسطس 2020م، ص91 -92)
.



موقع أنا السلفي



www.anasalafy.com



: 07-12-2020
طباعة