لحظة... قبل أن تطلق! (6)



لحظة... قبل أن تطلق! (6)



كتبه/ وائل
عبد القادر



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما
بعد؛



أخي الحبيب:



حتى مع فوات عدة المرأة، لا تظنن أن الأمر انتهى
أو أن علاقتك بمَن كانت زوجتك قد انتهت إلى الأبد، لا بل لا يزال لك ولها بحبوحة
من العيش وسعة مِن عودة الألفة والمودة بينكما، خاصة بعد أن ذُقت وذاقت ألم
الفراق، وأنين الوحشة والغربة.



فإن كانت قد بانت منك بينونة صغرى بعد انتهاء
عدتها عقب الطلقة الأولى أو الثانية، فلا يزال باب العود مفتوح يناديكما: هلمَّ
إلى جمع الشمل، ودحر الشيطان، ويحذِّر أولياء المرأة أن يستجيبوا لنداء الحنق
والعزة بالإثم فيمنعوا موليتهم من العودة لزوجها إذا تراضوا بينهم بالمعروف، قال
-تعالى-: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا
تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
)
(البقرة:232).



قال الشيخ
السعدي -رحمه الله-:
"هذا خطاب لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث، إذا خرجت من العدة، وأراد
زوجها أن ينكحها ورضيت بذلك، فلا يجوز لوليها من أب وغيره أن يعضلها، أي: يمنعها
من التزوج به حنقًا عليه وغضبًا واشمئزازًا لما فعل مِن الطلاق الأول"
(تفسير السعدي).



ومن هنا يظهر
لنا سبب كثرة حالات الطلاق في المجتمع المصرى خاصة، ولماذا كثرت المشكلات وتعمقت الخلافات،
وراجت سوق الشيطان في التفريق بين المرء وزوجه؟!



فالمتهم
الأول: انتشار الطلاق البدعي -بسبب الجهل بالدِّين-:
فأصبح شائعًا بين الكثير؛ لجهلهم كيفية إيقاع
الطلاق بالصورة الشرعية، وخاصة خروج الزوجة من بيت زوجها أثناء عدتها فى الطلقة
الأولى والثانية بما يوسِّع من رقعة الخلاف بينهما، ويعمِّق جراح الشقاق على النحو
الذي يمتلأ معه قلبا الزوجين غلًّا وكراهية للآخر، وبالقدر الذي يروج به سوق
الطلاق.



قال
العَلّامَة عَبْد الرّحمن بْن يحْيَي المُعَلّمِيّ اليَماني -رحمه الله- في كلامٍ
جامع بديع له عن ضوابط إيقاع الطلاق:
"فحدَّ الله -تعالى- له حدودًا تمنع أو
تقلِّل هذا الضرر، فلم يجعل له أن يطلق وهي حائض، ولا في طهر قد قاربها فيه، والسر
في ذلك -والله أعلم- أن الرجل إذا بُعد عهده بالمرأة قوي ميله إليها، فإذا طلَّقها
مع ذلك كان الظاهر أن رغبته عنها قد استحكمت، وهذا هو المقتضي للرخصة في الطلاق.



وإذا كانت المرأة حائضًا كان محتملًا أن يكون
قاربها في الطهر الذي قبل تلك الحيضة، فعهده بها قريب، وقرب العهد يُضعِف الميل،
بل ربما أوجب النفرة.



وينضم إلى ذلك أن نفس الرجل تنفر من الحائض؛ إما
للأذى، وإما لليأس من مقاربتها، وهذه نفرةٌ عارضةٌ، لا يصح أن يكتفَى بها لاستحقاق
رخصة الطلاق.



وهكذا إذا كانت طاهرًا وقد قاربها في ذلك الطهر،
فعهده بها قريبٌ، وقرب العهد يُضعِف الميل، أو يوجب النفرة كما مرَّ، فإذا أراد أن
يطلقها وهي طاهرٌ في طهرٍ لم يقاربها فيه، فالظاهر أن رغبته عنها قد استحكمت، ولكن
ربما تضعف هذه الرغبة أو تزول إذا ازداد العهد بُعدًا.



مع أن موجب النفرة قد يكون سببًا عارضًا، من ذنب
وقع منها، أو إساءة، وإذا طال العهد غفر الذنب، ونسيت الإساءة، فرخص له أن يطلقها،
على أن له أن يراجعها ما دامت في عدتها.



فإذا طلَّق كان عليه أن لا يقطع عنها النفقة
والسكنى، ومن الحكمة في ذلك -والله أعلم- أن يبقى باب الصلح مفتوحًا ميسرًا،
والغالب أن يكون بيتها الذي أمر أن يُسكِنها فيه هو بيته أو قريب منه، وذلك أدعى
إلى الصلح، فقد تهيج به الذكرى وهو على فراشه في أثناء العدة، فلا يكون بينه
وبينها إلا كشف الستر أو طَرْق الباب، ولعله لو صبر إلى الصبح لفترت رغبته، فلا
يراجع، ولعله يبدو له خطؤه في إيقاع الطلاق، ومضرته عليه، ويلومه هذا، وتعذله هذه،
ومع ذلك فقد جرَّب الفرقة وجرَّبتها، وذاق كل منهما مرارتها، فإذا وقعت الرجعة،
فقد ذاقت هي من الفرقة ما يجعلها تخاف من وقوعها مرةً أخرى، فيدعوها هذا الخوف إلى
حسن الطاعة والحرص على رضاه، وتحري ما يوافق هواه، وذاق هو ما يحمله على التأني
والتريث في المستقبل، فلا يستعجل بإيقاع الطلاق، مع علم كل منهما بأنهما قد صارا
على ثلث الطريق من الفرقة الباتة.



فإن لم تعطفه العواطف حتى انقضت العدة، فالظاهر
أن النفرة قد استحكمت، ومع ذلك بقي له أن يراجعها، ولكن برضاها، ومهر آخر، وعقد
جديد.



فإذا راجع من المرة الأولى، ثم طلَّق مرة أخرى
بالشروط السابقة، وشرعت في العدة على الصفة الأولى، كان ذلك أدعى إذا وقعت رجعة أن
لا تعصيه بعدُ ولا يطلقها؛ لعلمهما أنهما على ثلثي الطريق، وأنه إن طلَّقها المرة
الثالثة حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، فتخاف هي أن لا يرغب فيها أحدٌ، وإن رغب
فيها فلعله يسيء عشرتها، ويظلمها ويمسكها على البؤس والشقاء، ويخاف هو إن طلَّقها
أن تتبعها نفسه كما تبعتْها المرتين الأوليين، فلا يجد إلى ذلك سبيلًا، إذ لعلها
لا تتزوج بعده، وإن تزوجت فلعل الزوج الجديد يكون أسعد بها، وأحرص عليها، وإن
فارقها هذا الزوج الجديد فلا ترجع إلى الأول إلا بعقد جديد، ومهر جديد، ثم ترجع
إليه بعد أن ذاقت عسيلة غيره، وعرفت ما عرفت، إلى غير ذلك.



فإذا علمتَ ما تقدم، فاعلم أن الله -تعالى- أرحم
بعباده من أنفسهم، وأنه لا يُحِلُّ لهم أن يضروا بأنفسهم فضلًا عن غيرهم؛ فكيف
يجعل لأحدهم أن يطلق زوجته ابتداءً طلاقًا يحرمها عليه البتة حتى تنكح زوجًا
غيره؟!



مع العلم بأن نظر الإنسان قاصرٌ، فقد يظن أنه لم
يبقَ له إليها حاجة، وأنها قد استحكمت نفرته منها، وأن لا ضرر عليه في بينونتها
منه، ويكون مخطئًا يتبيِّن له خطؤه بعد ساعة، كما هو مشاهد بكثرة فاحشة في هذه
الأزمان"
(انتهى).



وهذا آخر ما يسر الله جمعه.



سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا
أنت، أستغفرك وأتوب إليك.  



موقع أنا السلفي



www.anasalafy.com



: 05-12-2020
طباعة